كوليا في الثامنة و العشرين من العمر، أنهى علاقته بصديقته للتو و بدأ التحضير لبداية جديدة: شقة جديدة و عمل جديد. لكنه يتحسّس صدفة قساوةً و تصلباً في خصيته اليسرى. و فجأة كان عليه اتخاذ قرارات مصيرية له و لحياته.

1. التشخيص

أجلسُ في غرفة المعاينات في عيادة لطب المسالك البولية منزوع السروال، قامت الطبيبة بفحص الخصية يدوياً و من ثم بواسطة الإيكو. توقفت الطبيبة أثناء فحص الإيكو مطولاً عند موضعٍ معينٍ لتقوم بعدها بحفظ صورةً لهذا الموضع. قلت لنفسي أن الأمر عبارة عن فحص طبي اعتيادي و لربما الأمر جلّه ما هو إلا التهاب بسيط. اخترت هذه العيادة فقط لقربها من متجر “إيكيا” و لأني بحاجة إلى بعض قطع الأثاث لشقتي الجديدة. وضعت الطبيبة مقبض الإيكو جانباً و توقفت الصورة على شاشة الإيكو عند ذلك الموضع و قالت لي الطبيبة أنه يجب عليها طلب رأي زميل لها بهذا الموضع لتتركني بعدها وحيداً في الغرفة.

إن غرفة المعاينة صغيرة، قرابة التسعة أمتار مربعة. البناء ذو تصميمٍ برلينيٍ قديمٍ، أرضية خشبية و أبواب مجنّحة و سقف عالٍ. بداخل الغرفة سرير المرضى و جهاز الإيكو فقط. احملق في صورة الإيكو و ليس بوسعي أن أبعد نظري عنها. تظهر صورة الإيكو الخصية و في أعلاها حيث يبدأ الأسهر و حيث توجد تلك النقطة القاسية، أرى بقعة سوداء. تبدو كبيضة سوداء داخل بيضة أخرى، بيضة مفاجآت و لكنها مفاجأة مرّة و سيئة هذه المرة. عادت الطبيبة مع زميلها و الذي قام بدوره بتحسّس الموضع القاسي و نظر إلى شاشة الإيكو. نظرا إليّ نظرة جادة و قال الطبيب: نعم، أنا متأكد جداً، أن تلك النقطة ورم سرطاني.

و منذ تلك اللحظة لم أعد أسمع شيئاً، أسمع فقط صوت تدفق الدم في إذني. سرطان الخصية. أصابني الدوار و حين حاولت القيام خذلتني أرجلي. أمسكتني الطبيبة لتسندني و سألتني إن كنت أرغب في الحصول على أطفال يوماً ما. أجبتها بصدق: نعم! أريد ذلك منذ سنوات عدة. و لكني أنهيت علاقتي للتو و الآن أعاني من سرطان الخصية!

2. الهوت دوغ

إيكيا هي العالم الأمثل. يبدو المتجر دائماً بشكل لطيف و بدون تغييرات. لا يجب على المرء هنا التفكير بشيء آخر غير الاستهلاك. إن وجدت غرضاً لطيفاً فأن سلة المشتريات موجودة مباشرة إلى جانبك، لتضع فيها المصباح أو رفوف الحائط. يوجد هناك حتى اختصاراً للطريق كيلا أمرّ بقسم الأطفال. بعد أن جمعت مستلزماتي، اشتريت لنفسي الهوت دوغ، فهو من البديهيات عند زيارة إيكيا. هممت بالدفع و عندها قال لي البائع مباركاً:

“مبروك”
أجيبه: “و علام مبروك؟”

يشير إلى الطاولة و عليها صورة الإيكو. لابد أن الصورة وقعت مني. إنها الصورة التي تظهر سرطان الخصية و هو يظن أني سأصبح أباً. أجيبه إجابة مقتضبة: “هناك سوء فهم.” أخرج من المتجر حاملاً الهوت دوغ لأنهمر بكاءاً في الخارج.

3. الصدمة الأولى

والدي طبيب و قد قال لي: سرطان الخصية ليس حكماً بالموت. و لكن يجب عليك ألّا تبحث عنه في الانترنت، فلن تجد سوى قصص مرعبة عن المرض. وضع لي والدي قائمة تدقيق تتضمن كخطوة أولى: الحصول على رأي طبيب آخر، و خطوة ثانية: تحديد موعد لإجراء العملية الجراحية. الخطوة الثالثة: لابد من أخذ عينة من النطاف لتخزينها قبل العملية. إن تحتم عليّ دفع مصاريف تخزين النطاف فسوف يساعدني مالياً. بعد الاتصال بوالدي شعرتُ بتحسنٍ، فبراغماتيته اللطيفة ساعدتني على الهدوء و قائمة التدقيق التي أعدها ساعدتني على تنظيم الفوضى التي تملأ عقلي.

قررت أن أدع طبيب مسالك بولية آخر يعاين صورة الإيكو، و كان الطبيب الآخر واثقاً من صحة التشخيص أيضاً. لا مجال لتفادي العملية الجراحية إذن. إن أقرب موعد للعملية أمكنني الحصول عليه في برلين هو في غضون أربعة أسابيع. و أربعة أسابيع هي مدة طويلة، خاصة إن لم يكن يدور في عقل المرء شيئاً سوى وجود ورم سرطاني ينمو في أحشائه.

و لذلك قمت بمتابعة البحث و سألت عائلتي و رفاقي و معارفي عن مشافي يمكنني أن أجري العملية فيها. وقع الاختيار على مشفى الجيش الألماني في هامبورغ. فقد حصلت هنا على موعد أقرب بأسبوع كامل عن موعد برلين، أي في نهاية شهر أكتوبر/تشرين الأول.

4.في المشفى: أنا جزء من الفئة المعرضة للخطر

إن المزاج العام هنا أشبه بثكنة عسكرية. فعلى الجدران هناك أعلام ألمانية معلقة و صور لجنود. و على الأبواب تجد أسماء الأطباء مرفقة برتب عسكرية. نبرة الصوت هنا حاد و آمرة و لكن الأطباء هنا خبراء في هذا المجال، لأن الجنود هم حقاً المجموعة المعرضة لخطر الإصابة بسرطان الخصية: رجالٌ في مقتبل العمر بين العشرين و الأربعين عاماً.

أثناء استلقائي في صباح اليوم التالي و أنا انتظر التخدير أن يأخذ مفعوله، لم أكن أعلم إن كنت سأستيقظ بخصية واحدة أو بدونهما. فالقرار بيد الأطباء أثناء العملية. و لهذا سيقومون بإجراء خزعة صغيرة للخصية الأخرى و إرسالها إلى المعاينة الباثولوجية. و في أثناء ذلك سيقوم الأطباء بإزالة الورم السرطاني من الخصية المتضررة. لإزالة الورم فأن الأطباء سيقومون بشق جراحي في المنطقة الأربية للوصول إلى الأسهر، و الذين سيقومون بتثبيته و شده لإخراج الخصية. إن خصية واحدة تكفي لمد الجسم بالكمية الكافي من الهرمونات الجنسية و على الأغلب فأن الرجل قادر على التكاثر بخصية واحدة. في حالة إصابة الخصية الأخرى أيضاً، ستتم إزالتها جراحياً في الجلسة نفسها.

عند استيقاظي، كنت لا أزال متأثراً بالمخدر. كانت عائلتي متجمعة حولي. كانت صورتهم حولي تهتز و لا أفهم ما يقولونه و كأني لا أزال في ملكوت النوم. لاحظت بعد عدة ساعات مقدار الآلام التي تسببها أي حركة و القيام من السرير كان أشبه بالمستحيل. بعد بقائي لوحدي في الغرفة، تحسست موضع العملية. لقد حالفني الحظ فالخصية الأخرى لا زالت مكانها أي أنها غير مصابة.

5. آلام ما بعد العملية

أقمت لثلاثة أيام في المشفى و زارني صديقي المقرب جويل الذي قدم إلى هامبورغ خصيصاً لزيارتي.

أقمتُ مع صديقي جويل لدى أخي و اللذان اعتنيا بي بشكل كبير في هذا الوقت العصيب. لم يكن بوسعي التحرك فأي فعل يتسبب لي بآلام كبيرة: القيام و الاستلقاء و المشي و حتى الضحك… و مع تحسن حالتي، قفلت راجعاً إلى برلين. لقد خفت الآلام و حل مكانها أمرٌ آخرٌ: الريبة و القلق. و بعد أسبوعين من العملية تلقيت بريداً من المشفى العسكري يتضمن التشخيص. كان ورمي السرطاني ليس ورماً منوياً، أي النوع الشائع و الأقل خطورة من سرطانات الخصية، بل ورماً مختلطاً مع مكونات خلوية جنسية.

لو كان ورمي ورماً منوياً لقضي الأمر، كان عليّ فقط الذهاب إلى المراجعة الدورية لا غير. و لكن لم يستطع الأطباء تحديد مرحلة السرطان في حالتي بدقة. إن احتمال انتشار السرطان إلى أعضاء أخرى كالرئة مثلاً أعلى في حالتي. و هذه الأفكار أقلقتني. اتصلت بالجراح في المشفى العسكري الذي قال لي أن آمالي بعدم انتشار الخلايا السرطانية تقارب الـ85 إلى 90 بالمئة، و نصحني بالخضوع لمراقبة فعالة و دورية. أما طبيبة المسالك البولية التي اكتشفت وجود السرطان لدي فقد قالت أن إجراء علاج كيميائي سيقلل خطر عودة المرض إلى 2 أو 5 بالمئة. و هكذا بدأت بالركض من طبيب إلى آخر و بحثت في الإنترنت عن خبراء في هذا المجال في برلين. و النتيجة هي زيادة قلقي و ريبتي. أسأل خمسة أطباء و ستحصل على خمسة آراء مختلفة!

لم ينتهي الأمر بعد!

منتصف نوفمبر/تشرين الثاني، ستة أسابيع مرت منذ تشخيصي بمرض السرطان. زلزل التشخيص حياتي و شخصيتي بالطبع. و بعد ذلك بدا واضحاً بالنسبة لي ما عليّ فعله الآن: الحصول على رأي طبي ثانٍ ثم حفظ النطاف و بعدها أحدد موعد العملية. إلى ذلك الحين كان كل ما يجول في رأسي هو إجراء العملية الجراحية و بعدها سيكون كل شيء قد مرّ و انتهى. لكني أعلم الآن أن الأمر لم ينتهي بعدّ! فمن الممكن أن تكون بضع خلايا سرطانية في طور الانتشار في جسدي الآن. خلايا سرطانية صغيرة بحيث لا يمكن رؤيتها في الصورة المقطعية و التي تبحث عن مكان جديد لتنمو و تكبر فيه. و ربما لا وجود لهذه الخلايا. لا يعلم أحد حقيقة الأمر بالفعل. اتصلت هذه المرة أيضاً بوالدي و كلي أملٌ بأنه سيساعدني في هذه المحنة أيضاً. و لكن لا قائمة تدقيق جاهزة لديه فيما يخص العلاج الكيميائي و ليس بمقدوره تقديم النصيحة في هذا الأمر، فهو جراح لا طبيب مسالك بولية و لا طبيب أورام سرطانية.

6. الهلع و المساعدة الذاتية

بدأ الهلع فجأة بغزو أفكاري. بدأت الآن فعلاً بالقيام بما نهاني والدي عنه ألا و هو البحث عن مرضي في غوغل. و السبب في ذلك: لن يستطيع الأطباء وحدهم مساعدتي، فهم لا يفقهون شعور الإصابة بسرطان الخصية. علي أن أتعرف على آراء الأشخاص الذين واجهوا نفس المرض أو ما زالوا أمام نفس تحدياتي. وجدت بضع منتديات التي تمتلئ برجال شباب يملأهم الشك و الذين تمتلئ كتاباتهم بالتعابير و المصطلحات الطبية من ملفاتهم الطبية و الذي يقومون بحسابات غريبة حول احتمالية عودة السرطان و الشفاء.

يقص البعض قصصاً مرعبةً عن عودة السرطان بعد أربعة عشر عاماً بعد أن ظنوا أنهم قد شفيوا تماماً، ليعود السرطان و يملأ البطن و الرئة بالخلايا السرطانية. وجدت كمية هائلة من الكتابات حول التجربة الشخصية مع العلاج الكيميائي. يتحدث البعض بضحكة مُتعبة عن تساقط الشعر، بينما يتحدث آخرون عن الأمراض المعدية الخطيرة بسبب تعطل جهازهم المناعي بسبب العلاج. يعاني بعضهم من تعب مزمن لسنوات طويلة و بعضهم الآخر من تسبب العلاج الكيميائي الذي يتم حقنه بالأوردة بالموت الخلوي للأوردة ما أدى إلى بتر الذراع. و لم يحقق العلاج الكيميائي لدى البعض منهم أي نجاح يذكر.

كان عليّ أن أمنع نفسي من متابعة القراءة بأي شكل كان. فقد أصبت بضيق في التنفس و أحسست و كأن صعقةً كهربائيةً قد ضربت جسدي. 

لم أستطع إبعاد نظري عن النصوص و هذا أثرّ على أصدقائي أيضاً.

و بعدها تحدثت مع سوزي و سوزي هي والدة صديقة لي و قد عانت من السرطان أيضاً. و لكن لم يشعر المرء بأنها تعاني من ذلك قط.

أخبرتُ سوزي بما يساورني من قلق و بعدم يقيني حول الخضوع للعلاج الكيميائي. ثم سألتها عن مجرى مرضها. تحدثت سوزي بأريحية و هدوء عن مرضها. و طريقتها فقط كانت كافيةً لتهدئتي.  الاستماع لها يبث في داخلي الطمأنينة و هذا أمر لا مثيل له. حين تعلم أن نظيرك مرّ عبر الصعوبات نفسها التي تعاني منها، فأن هذا الأمر يؤثث لرابطة خاصة بينكما. فتشعر أن هناك من يتفهمك تلقائياً، و حتى و أن لم تعرفا بعضكما تلك المعرفة الكبيرة. و هناك أمرٌ آخر: إن ما قالته سوزي لي يختلف اختلافاً كلياً مما قرأته على منتديات السرطان في الإنترنت.

فسوزي تعاملت مع المرض كاختبارٍ شخصيٍ لها تعلمت منه. لقد تجاوزت مخاوفها. لقد نمت هي على أنقاض السرطان و ليس السرطان على أنقاضها. و ما تعلمته من سوزي أيضاً هو أن مرضك هو جزء منك. فأنت وحدك من تشعر بمرضك و يمكنك معرفة الخطوة القادمة و ما الذي يناسبك أكثر. نصحتني بموقع “المقاومة البيولوجية للسرطان” على الإنترنت و هو نادٍ خيري يقدم النصائح لمرضى السرطان.

بعد انتهاء المكالمة التي استمرت ساعتين، كنت قد أصبحت شخصاً آخراً تماماً. سألت نفسي: أي طرق العلاج هي الأنسب لي و تبعت إحساسي. و اقتنعت بأمر واحد: أي كانت احتمالية انتشار الخلايا السرطانية سواء كانت 3 أو 12 بالمئة، فالرقم ليس مهماً. فهذه أرقام لا غير، إنها إحصائية فقط و يمكن للأمور أن تجري بشكل مختلف تماماً.

المهم هنا هو أني أجري الآن حواراً مع كوليا المستقبلي، بالأحرى مع اثنين مختلفين من كوليا المستقبلي. أحدهم يجلس بجانبي في الصالون. حل الربيع الآن و كوليا هذا أصلع الآن و يبدو أنه متعب قليلاً. أسأله كيف جرى العلاج الكيميائي. يجيبني بأن الأمر جيد و لكنه قاسٍ. لقد عانى التعب لأسابيع طويلة و لا يزال متعباً إلى الآن. لم يستطع البدء بعمله التطوعي المخطط له لأنه كان عليه أن يقضي وقتاً للنقاهة. لا زال يشعر بالريبة حيال نجاعة القيام بالعلاج الكيميائي لعدم انتشار أي خلايا سرطانية بعد. ينظر بعدها عبر النافذة ليتابع تحليق غبار الطلع في الأجواء.

ماذا يريد كوليا المستقبلي؟

بقيت متردداً و تحدثت لذلك مع كوليا مستقبلي آخر. يبدو كوليا هذا شاحباً أكثر من سابقه. إنه في طريقه الآن إلى قسم السرطان في المشفى، و قد حل حالياً الصيف. لقد سقط كوليا هذا أرضاً مراراً و هو في طريقه إلى العلاج الكيميائي. و لكن لماذا يضطر كوليا هذا إلى إجراء العلاج الكيميائي؟ يجيبني بصوت مرتعش مرير بأنها الجلسة الرابعة الآن. و عند سؤالي ما الخطب أجابني بحقدٍ: و لماذا لم تفعل كل ما بوسعك سابقاً، لقد كنت جباناً و الآن أصبح الأمر أكثر سوءاً. يبدأ بعدها كوليا المستقبلي بالسعال و ألاحظ حينها أثر جرح العملية على صدره. طلبت منه الصفح و علمت عند رؤيتي كوليا المستقبلي هذا أنه عليّ إجراء العلاج الكيميائي.

7. مواجهة المرض

تعرفت من خلال موقع المقاومة البيولوجية للسرطان على المشفى الأنتروبوصوفي “هافلسهوهي” على أطراف برلين. يقع المشفى في غابة على الحدود إلى مقاطعة براندنبورغ، حيث يصب نهر هافل في بحيرة فانزيه. توجد على أرض المشفى عدة ورشات و دكان و حديقة حيوان صغيرة تحوي أحصنة صغيرة و حميراً. يدعى كبير الأطباء هناك الدكتور ماتياس الذي أخذ ساعةً كاملةً من وقته لسماع قصتي و وضعنا بعدها معاً خطة علاجية لي تستغرق ثلاثة أسابيع. سأتلقى في الأيام الخمسة الأولى عدة عقاقير لأتوقف بعدها لثلاثة أيام، و أتلقى بعدها خلطة أخرى من الأدوية متبوعة بوقفة لأسبوع. و أخيراً الجرعة الأخيرة.

حين أخرج أخيراً من هنا، سأطير فوراً إلى الجنوب.

إن أيام العلاج الكيميائي طويلة. في الصباح يتم التأكد من القثطرة الوريدية و صحة تموضعها و يتم بعدها البدء بإعطاء أول الجرعات عبر الوريد. يذهب المريض بعدها مع الحقنة إلى صالة تحوي مقاعد عديدة تضم مرضى آخرين. و عند انتهاء الحقنة فأنه على المريض رن الجرس لتأتي ممرضةٌ و تعلق الجرعة التالية. و يستمر الأمر على هذه الحال إلى العصر أو المساء. تشعرني الأدوية بالتعب و كثيراً ما استغرقت في النوم أثناء العلاج. و عند استيقاظي أنظر عبر النافذة لأدرك أنه الشتاء. أنها تثلج خارجاً و يحل الليل مبكراً. أقول عندها لنفسي، حين أخرج من هنا سأحلق فوراً إلى الجنوب. إلى مكان حيث الشواطئ و الشمس المشرقة، حيث الدفء و النور. و حينها قطعت تذكرة إلى تناريفي.

 

8. سير العلاج الكيميائي

مضى الأسبوع الأول و أنا بحالٍ جيدة إلا من بعض التعب. بدأت بعدها الأعراض الجانبية بالظهور. أصبت بالتهابات في الفم في بادئ الأمر ثم في الأمعاء. و مع مرور الوقت ازداد ضعفي باطراد. و مع مضي الوقت أصبحت نتائج تحليل الدم أسوأ. تورمت ذراعي بعد عدة أيام و أصبح من الصعب إيجاد مواضع مناسب للحُقن. بدأت الوذمات بالظهور و ازداد وزني في غضون أيام 10 كيلوغرام دفعة واحدة لأصاب بعدها بإسهال أدى إلى نقصان سريع بالوزن. رغم اقتناعي بصحة قراري بالخصوع للعلاج الكيميائي فأن لدي شعوراً بالقلق من فكرة الاضطرار إلى إيذاء جسمي مؤقتاً من أجل إنقاذه. أحاول أن أقاوم هذا الشعور بمشاركتي ببعض الفعاليات العلاجية التي يقدمها المشفى. هناك علاج موسيقي و علاج فني. أذهب إلى العلاج الفيزيائي و شاركت مرة في العلاج الحركي. علاجي المفضل هو المساجات. تفيدني لمسات المساجات بإحساسي بجسدي بطريقة إيجابية.

منذ إتخاذي قرار الخصوع للعلاج الكيمائي، يساورني الشعور أني أعلم ما أريده لنفسي و كيف أعبر عنه. أقول لأصدقائي متى أرغب بزيارتهم لي و أطلب منهم أن ينسقوا مواعيدهم فيما بينهم. نتمشى معاً عبر الثلوج على ضفاف نهر الهافل و أشاركهم تفاصيل حياتهم مجدداً و أطلب منهم إطلاعي عمّا يحدث في العالم الخارجي.

جهازي المناعي منهار، إلى غرفة العزل.

 

بدأت تشنجات المعدة فجأة و هي أسوأ الآلام التي عانيتها قط. أقف في سريري لأتلقى مسكناتٍ قويةٍ وريدياً. إن أصابتي بآلامٍ مرعبة فجأة و إمكانية قدومها في أي وقت بشكل فجائي، أذهبت ثقتي بجسدي أدراج الرياح.

أصاب جسدي الهزال و أصبح جهازي المناعي منهاراً لدرجة الاضطرار إلى تحويلي إلى غرفة عزل. لا يمكنني مغادرة غرفتي إلا و أنا ارتدي ملابس الحماية. أي جرثومة يمكنها أن تتحول إلى خطرٍ محدقٍ بي. لم يعد بإمكاني تناول الطعام إلا حساء الشوفان. ترفض معدتي أي شيء آخر. تزداد يومياً كمية الشعر المتساقط على مخدتي، و حين أمرر يدي في شعري تمتلئ يدي بشعري المتساقط.

تمر الأيام هكذا، مضى على العلاج الكيميائي أسبوع و لا زلت في غرفة العزل أنتظر تحسّن نتائج تحليل الدم. و لأن الأعراض الجانبية كانت أقسى من المتوقع فلابد من البقاء في غرفة العزل و لا أعلم إلى متى. أتخلف عن موعد طائرتي و أدرك أنني لم أقدر مخاطر العلاج الكيميائي. لدي الآن مناطق واسعة من رأسي صلعاء تماماً. و أثناء زيارة صديقة لي أطلب منها حلق رأسي بشكل كامل. أنظر في المرآة و أرى أن وجهي ضعف بشكل كبير.

حاكت والدتي قبعة لي و أرسلتها إلى المشفى. ألبسها على رأسي و لونها أصفر فاقع ما يجعل وجهي يبدو أكثر شحوباً. أحاول الابتسام و أفكر بسوزي و كوليا المستقبلي. أرغب بالصراخ نحوهما قائلاً: سوف أتجاوز هذه المنحة.

يصيبني القلق أحياناً و أخاف من أكل أي شيء مهما كانت الكمية صغيرة. لكني أتماسك نفسي سريعاً و أكلُ، و ذلك لأني أعتقد أنه يجب علي الأكل. جسدي بحاجة إلى الطاقة للشفاء و لأتمكن من تجاوز الآلام.

9. تناريفي

و بعدها يأتي الخلاص… أتى الدكتور ماتياس إلى غرفتي ليبلغني أن عدد الكريات البيض ارتفع مجدداً. جهازي المناعي بدأ يتمالك نفسه و أصبح بإمكاني الخروج من غرفة العزل و من المشفى أيضاً. لقد تمّ تخريجي.

حجزت تذكرة مباشرة في اليوم التالي و لاحظت أن السفر يتعبني الآن أكثر من العادة. نمت طيلة الوقت في الطائرة. عند خروجي من المطار رأيت أشجار النخيل و لفحتي نسمات الهواء الحارة. إنه الشتاء في وطني في منتصف كانون الأول/ديسمبر و هنا الجو ربيع. و عندما رأيت البحر بعد ذلك، تشكرت نفسي لدى كوليا الماضي لعنايته بنفسي على أفضل شكل.

أجلس تحت شجرة النخيل و أمام المحيط الأطلسي. تهب الرياح عاصفةً و أتنفس عميقاً و أشعر بالراحة. حبات الرمل رقيقة جداً و هذا هو الشاطئ الأجمل في تناريفي.  أتذكر المرة الأولى التي كنت هنا فيها قبل عامين رفقة صديقي السابقة. عانينا في تلك الأيام من علاقتنا العاصفة و أتذكر الأشهر الأخيرة التي قضيناها سوية و أتذكر انتهاء علاقتنا و بدء علاقتي الجديدة بنفسي. أفكر بطموحاتي الفنية القادمة و عملي الجديد كصحفي. أشعر الآن بنفس شعور سوزي و كيفية نمو شخصيتي على أنقاض السرطان. ساعدني المرض على قطع علاقتي بكثير من الأشياء القديمة. أسئلتي حول كيف أصابني السرطان و إمكانية عودة المرض لم تعد مهمة الآن. أمر واحد يهم الآن: أنا سعيد حالياً أكثر من أي لحظة قط بأني حي أرزق.

يمكن سماع القصة هنا باللغة الألمانية,
الكاتب: Kolja Unger
مصدر الصور: ©privat